الذهبي

413

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

اختصرته ، أن ابن تُومَرْت رحل إلى بغداد ، فأخذ الأصول عن أبي بكر الأصوليّ الشّاشيّ ، وسمع من المبارك بن عبد الجّبار ابن الطُّيُوريّ ، وقال : إنّ أمير الإسكندرية نفاه منها ، فبَلَغَني أنّه استمر يُنكر في المركب إلى أنّ أَلْقوْه في البحر ، فأقام نصفَ يومٍ يجري في ماء السّفينة ولم يغرق ، فأنزلوا إليه من أطلعه وعظَّموه ، إلى أن نزل بَجَّايَة ، ووعظ بها ، ودرَّس ، وحصل له القبول ، فأمره صاحبها بالخروج منها خوفًا منه ، فخرج ، ووقع بعبد المؤمن ، وكان بارعًا في خطّ الرمْل ، ووقع بجفرٍ فيما قيل ، وصحِبَهما من ملالة عبدُ الواحد الشّرقيّ ، فتوجّه الثّلاثة إلى أقصى المغرب . وقيل : إنه لقي عبد المؤمن ببلاد متيجة ، فرآه يعلم الصبيان ، فأسر إليه ، وعرفه بالعلامات ، وكان عبد المؤمن قد رأى رؤيا ، وهي أنّه يأكل مع أمير المسلمين علي بن يوسف في صحفةٍ ، قال : ثمّ زاد أكلي على أكله ، ثمّ اختطفت الصَّحْفَة منه ، فقصها على عابرٍ فقال : هذه لَا ينبغي أن تكون لك ، إنما هي لرجلٍ ثائر يثور على أمير المسلمين ، إلى أن يغلب على بلاده ، وسار ابن تُومَرْت إلى أن نزل في مسجد بظاهر تِلِمْسان ، وكان قد وضع له هيبةً في النُّفُوس ، وكان طويل الصَّمت ، كثير الانقباض ، إذا انفصل عن مجلس العلم لَا يكاد يتكلم ، أخبرني شيخٌ عن رجلٍ من الصالحين كان معتكفًا في ذاك المسجد أنّ ابن تُومَرْت خرج ليلةً فقال : أين فُلان ؟ قالوا : مسجون ، فمضى من وقته ومعه رجلٌ ، حتى أتى باب المدينة ، فدقّ على البوّاب دقًا عنيفًا ، ففتح له بسرعة ، فدخل حتّى أتى الحْبس ، فابتدر إليه السّجّانون يتمسّحون به ، ونادى : يا فُلان ، فأجابه ، فقال : أخرج ، فخرج والسّجّانون باهتون لا يمنعونه ، وخرج به حتّى أتى المسجد ، وكانت هذه عادته في كلّ ما يريد ، لَا يتعذّر عليه ، قد سُخِّرت له الرّجال . وعظُم شانه بتِلَمْسان إلى أن انفصل عنها ، وقد استحْوَذَ على قلوب كُبَرائها ، فأتى فاسَ ، وأظهر الأمر بالمعروف ، وكان جلّ ما يدعو إليه عِلم الاعتقاد على طريقة الأشعرية ، وكان أهل المغرب ينافرون هذه العلوم ، ويعادون من ظهرت عليه ، فجمع والي فاس الفُقَهاء له ، فناظرهم ، فظهر عليهم لأنه وجد جوّا خاليًا وناسًا لَا عِلْمَ لهم بالكلام ، فأشاروا على المتوليّ بإخراجه ، فسار إلى مَراكُش ، وكتبوا بخبره إلى ابن تاشفين ، فجمع له الفُقهاء ،